يُعدّ التنظيم أحد أهم مجالات الدراسة في العلوم الاجتماعية والإدارية، بالنظر إلى المكانة المحورية التي تحتلها المنظمات في حياة المجتمعات الحديثة. فالدولة، والمؤسسات الاقتصادية، والإدارات العمومية، والجمعيات، بل وحتى الأسرة، جميعها تعتمد على أشكال مختلفة من التنظيم لضبط العلاقات بين الأفراد، وتنسيق الجهود، وتحقيق الأهداف المشتركة. ومع تعقّد البنى المؤسسية وتزايد حجم المهام، أصبح فهم طبيعة التنظيم وخصائصه ضرورة أساسية لكل باحث وممارس في مجالات الإدارة والسياسة والاقتصاد.

ويأتي هذا المقياس ليقدم للطالب رؤية شاملة لتطور الفكر التنظيمي عبر الزمن، من خلال دراسة النظريات الكلاسيكية التي ركزت على البنية الرسمية والانضباط وتقسيم العمل، مرورًا بالنظريات السلوكية التي أبرزت أهمية الإنسان داخل المنظمة، وصولًا إلى النظريات الحديثة التي تناولت التنظيم كمنظومة ديناميكية تتفاعل مع بيئتها الداخلية والخارجية. كما يعالج المقياس الأسس التي تقوم عليها عمليات التخطيط، والتنسيق، والاتصال، واتخاذ القرار داخل التنظيمات، مع إبراز التحديات التي تواجهها المؤسسات في العصر الرقمي.

ويهدف هذا المقياس إلى تمكين الطالب من الإلمام بالمفاهيم الأساسية للتنظيم، وفهم آليات عمل المنظمات، وتحليل الظواهر التنظيمية اعتمادًا على مختلف المدارس الفكرية. كما يساعد على تطوير القدرة على المقارنة بين النماذج التنظيمية، واستيعاب كيفية تأثير القيادة، والثقافة التنظيمية، والتغير المؤسسي على الأداء العام.

ومن خلال هذا التمهيد النظري، يُتوقّع أن يكتسب الطالب قاعدة معرفية تمكّنه من دراسة التنظيم كمجال متعدد التخصصات، قائم على التفاعل بين العوامل الهيكلية والسلوكية والتكنولوجية، وهو ما يساهم في إعداد كوادر قادرة على فهم المشكلات التنظيمية واقتراح حلول علمية وعملية لها.